سيد قطب

3794

في ظلال القرآن

« إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ . كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ » . . فالشرر يتتابع في حجم البيت من الحجر . ( وقد كان العرب يطلقون كلمة القصر على كل بيت من حجر وليس من الضروري أن يكون في ضخامة ما نعهد الآن من قصور ) فإذا تتابع بدا كأنه جمال صفر ترتع هنا وهناك ! هذا هو الشرر فكيف بالنار التي ينطلق منها الشرر ؟ ! وفي اللحظة التي يستغرق فيها الحس بهذا الهول ، يجيء التعقيب المعهود : « وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ! » . ثم يأخذ في استكمال المشهد بعد عرض الهول المادي في صورة جهنم ، بعرض الهول النفسي الذي يفرض الصمت والكظم . . « هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ . وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ » . . فالهول هنا يكمن في الصمت الرهيب ، والكبت الرعيب ، والخشوع المهيب ، الذي لا يتخلله كلام ولا اعتذار . فقد انقضى وقت الجدل ومضى وقت الاعتذار : « وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ » ! . . وفي مشاهد أخرى يذكر حسرتهم وندامتهم وحلفهم ومعاذيرهم . . واليوم طويل يكون فيه هذا ويكون فيه ذاك - على ما قال ابن عباس رضي اللّه عنهما - ولكنه هنا يثبت هذه اللقطة الصامتة الرهيبة ، لمناسبة في الموقف وظل في السياق . « هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ . فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ! » . . هذا يوم الفصل لا يوم الاعتذار . وقد جمعناكم والأولين أجمعين . فإن كان لكم تدبير فدبروه ، وإن كان لكم قدرة على شيء فافعلوه ! ولا تدبير ولا قدرة . إنما هو الصمت الكظيم ، على التأنيب الأليم . . « وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ! » . . فإذا انتهى مشهد التأنيب للمجرمين ، اتجه الخطاب بالتكريم للمتقين : « إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ ، وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ! » . . إن المتقين في ظلال . . ظلال حقيقية في هذه المرة ! لا ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب ! وفي عيون من ماء لا في دخان خانق يبعث الظمأ الحرور : « وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ » . . وهم يتلقون فوق هذا النعيم الحسي التكريم العلوي على مرأى ومسمع من الجموع : « كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ » ويا لطف هذا التكريم من العلي العظيم « وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ! » . . يقابل هذا النعيم والتكريم ! وهنا تعرض في خطفة سريعة رقعة الحياة الدنيا التي طويت في السياق . فإذا نحن في الأرض مرة أخرى . وإذا التبكيت والترذيل يوجهان للمجرمين ! « كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ! » . . وهكذا تختلط الدنيا بالآخرة في فقرتين متواليتين ، وفي مشهدين معروضين كأنهما حاضران في أوان ، وإن كانت تفرق بينهما أزمان وأزمان . فبينما كان الخطاب موجها للمتقين في الآخرة ، إذا هو موجه للمجرمين في